فخر الدين الرازي

120

تفسير الرازي

وهذا الاستدلال ضعيف ، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار ، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان ، والله أعلم . المسألة الثالثة : قوله : * ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ) * ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان ، وليس الأمر كذلك ، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة ، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم . الصفة الثالثة : للمؤمنين قوله تعالى : * ( وعلى ربهم يتوكلون ) * واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده ، وأن يقولوا صدق الله ورسوله ، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين * ( ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ) * ( الأحزاب : 12 ) ثم نقول : هذا الكلام يفيد الحصر ، ومعناه : أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم ، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة ، وهي : أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله . واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب ، فإن المرتبة الأولى هي : الوجل من عقاب الله . والمرتبة الثانية : هي الانقياد لمقامات التكاليف لله . والمرتبة الثالثة : هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله ، والاعتماد بالكلية على فضل الله ، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى . والصفة الرابعة والخامسة : قوله : * ( الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) * واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن ، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر ، ورئيسها بذل النفس في الصلاة ، وبذل المال في مرضاة الله ، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة ، والإنفاق في الجهاد ، والإنفاق على المساجد والقناطر ، قالت المعتزلة : إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام ، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقاً ، وقد سبق ذكر هذا الكلام مراراً . واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس : أثبت للموصوفين بها أموراً ثلاثة : الأول : قوله : * ( أولئك هم المؤمنون حقاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( حقاً ) * بماذا يتصل . فيه قولان : أحدهما : بقوله : * ( هم المؤمنون ) * أي هم المؤمنون بالحقيقة . والثاني : أنه تم الكلام عند قوله : * ( أولئك هم المؤمنون ) * ثم ابتدأ وقال : * ( حقاً لهم درجات ) * .